صنعاء – المؤشر الاقتصادي اليمني
في خطوة وصفتها الأوساط الاقتصادية بأنها “معركة استقلال اقتصادي” لاستعادة السيادة على الأسواق المحلية، بدأت وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار تنفيذ استراتيجية شاملة لإعادة الاعتبار للمنتج الوطني. هذه التحركات التي تتجاوز مجرد الحملات الدعائية، تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين المستهلك والمنتج المحلي تحت شعار “صنع في اليمن”، في محاولة لتقليص فاتورة الاستيراد المنهكة لميزان المدفوعات.
استراتيجية “الهوية” كدرع اقتصادي
لا ينظر قطاع السياسات والدراسات بالوزارة إلى توحيد الهوية البصرية للمنتجات اليمنية كإجراء شكلي؛ بل هو جزء من هندسة اقتصادية تهدف إلى بناء العلامة التجارية الإنتاج الوطني. ويرى محللون أن منح المنتج اليمني هوية بصرية موحدة ومعايير جودة صارمة يكسر “عقدة الأجنبي” لدى المستهلك، ويخلق حالة من الثقة المفقودة لعقود.
هذا التوجه يأتي مدفوعاً بضرورات جيوسياسية واقتصادية؛ حيث تسعى اليمن إلى استغلال الموارد الخام المتاحة محلياً لتحقيق ما يعرف بـ”الأمن السلعي”، خاصة في ظل التقلبات العالمية في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن الدولي.
لغة الأرقام: ما الذي سيوفره الإنتاج المحلي؟
تشير تقديرات أولية إلى أن تفعيل سلاسل القيمة المضافة للمنتجات المحلية (مثل الصناعات الغذائية، التحويلية، والجلدية) يمكن أن يؤدي إلى:
- خفض الطلب على العملة الصعبة: من خلال إحلال المنتجات الوطنية بدلاً من السلع الاستهلاكية المستوردة.
- تحفيز النمو الصناعي: تشير التوقعات إلى أن دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحت مظلة “صنع في اليمن” قد يرفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 3% إلى 5% خلال العامين القادمين.
- امتصاص البطالة: خلق فرص عمل في خطوط الإنتاج الجديدة التي ستتوسع لتغطية حصة السوق التي كانت تشغلها الواردات.
تحديات الاستدامة والمنافسة
رغم الطموح الحكومي، يواجه المنتج الوطني تحديات جسيمة، أبرزها كلفة الطاقة المرتفعة والمنافسة غير العادلة مع السلع المستوردة المغرقة للسوق. وهنا يأتي دور “الحماية الجمركية” والسياسات الضريبية التحفيزية التي بدأت الوزارة بتطبيقها مؤخراً لحماية المصنع اليمني من المنافسة غير المتكافئة.
ويؤكد خبراء في الوزارة أن الاستدامة مرهونة بـ”الابتكار الصناعي”، حيث لن يكتفي المستهلك بالعاطفة الوطنية طويلاً ما لم يلمس جودة تضاهي المعايير الدولية وسعراً منافساً، وهو ما تعمل عليه الوزارة من خلال لجان فنية متخصصة لمراقبة وتطوير خطوط الإنتاج.
آفاق مستقبلية إن التحول نحو “توطين الاستهلاك” يمثل حجر الزاوية في “برنامج إدارة سلاسل القيمة” الذي تتبناه الوزارة كخيار استراتيجي لتعزيز السيادة الاقتصادية. وإذا ما نجحت هذه الرؤية في حيازة حصة الأسد من السوق المحلية، فإن اليمن سينتقل من مرحلة “الاكتفاء الذاتي الجزئي” إلى عتبة “التنافسية التصديرية”؛ مستفيداً من المزايا النسبية للمواد الخام الوطنية وتوطين التكنولوجيا الحديثة. إن هذا التحول الهيكلي هو ما سيضع البلاد فعلياً على خارطة الاقتصادات المنتجة والناشئة، محولاً هوية الاقتصاد الوطني من الارتهان الكلي للاستيراد إلى التموضع فوق قاعدة صلبة للإنتاج والابتكار.