تحليل خاص — المؤشر الاقتصادي اليمني
في الاقتصادات المستقرة، تُراجَع السياسات الاقتصادية ضمن دورات تخطيطية اعتيادية؛ أما في الاقتصادات الواقعة تحت الضغط، فإن مراجعة السياسات تصبح فعل إنقاذ قبل أن تكون فعل تخطيط. من هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة حزمة التوصيات والتوجهات الجديدة التي تتبلور في صنعاء لإعادة هيكلة السياسات الاقتصادية، والتي تضطلع وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار بدور محوري في صياغتها وترجمتها، في إطار برنامج حكومة التغيير والبناء وما تفرزه التحديثات الرئاسية والتوصيات القطاعية من أولويات ملزمة.
فالسياق الذي تولد فيه هذه الحزمة لا يحتمل ترف التدرج البيروقراطي: أسواق تعاني تشوهات سعرية متراكمة، وبيئة أعمال مثقلة بتعدد الجهات والإجراءات، وسيولة استثمارية محلية حذرة تبحث عن إشارات ثقة قبل أن تبحث عن فرص ربح، واستقرار كلي هشّ تحرسه إجراءات نقدية ورقابية تحتاج بدورها إلى غطاء من السياسات الهيكلية كي لا تظل معالجات مؤقتة. والسؤال التحليلي المركزي هنا: هل تمثل الحزمة الجديدة إعادة تعريف حقيقية للعلاقة بين الدولة والسوق، أم مجرد إعادة ترتيب إجرائي لأدوات قائمة؟
دوافع التحديث: من إدارة الأزمة إلى هندسة السياسات
يمكن رصد ثلاثة دوافع رئيسية تقف خلف إعادة صياغة السياسات الاقتصادية في المرحلة الراهنة.
الدافع الأول هو استنفاد النموذج القديم لإدارة الأزمة؛ فالمعالجات الجزئية المتفرقة — قرار هنا لضبط سعر، وتعميم هناك لتنظيم استيراد — أثبتت محدوديتها في اقتصاد تتشابك اختلالاته، وأصبحت الحاجة ملحّة إلى إطار إصلاح هيكلي متكامل يربط السياسة التجارية بالسياسة الصناعية، ويوائم بين أدوات ضبط السوق ومتطلبات تحفيز الاستثمار، بحيث لا تُلغي يدُ التنظيم ما تبنيه يدُ التشجيع.
الدافع الثاني هو التحول في فلسفة الدور الحكومي ذاته، من دولة تكتفي بالترخيص والرقابة إلى دولة تمارس الحوكمة الاقتصادية بمعناها الأشمل: تحديد الأولويات القطاعية، ورسم قواعد لعبة واضحة ومستقرة، وقياس الأثر، والمساءلة عن النتائج. وتعكس منهجية التوصيات القطاعية — التي تُحوَّل فيها التوجيهات العليا إلى مصفوفات تنفيذية بمسؤوليات ومهل زمنية — هذا التحول نحو الإدارة بالنتائج بدلاً من الإدارة بالنوايا.
الدافع الثالث هو إدراك متنامٍ بأن تعبئة الموارد المحلية لم تعد خياراً بين خيارات، بل المصدر الرئيسي الممكن لتمويل التعافي؛ وهو ما يجعل تحسين البيئة الاستثمارية وتبسيط بيئة الأعمال — من اختصار إجراءات التسجيل والترخيص إلى توحيد المرجعيات التنظيمية — شرطاً مسبقاً لأي حديث جاد عن استقطاب رؤوس الأموال المحلية والمغتربة نحو الاقتصاد الحقيقي بدلاً من الاكتناز أو المضاربة.
واقع الشراكة مع القطاع الخاص: بين منطق الضبط ومنطق التمكين
تظل العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص هي المحك الفعلي لأي حزمة سياسات اقتصادية، وهي في الحالة اليمنية علاقة ذات طبيعة مركّبة تتجاور فيها الشراكة والتوجس.
فمن جهة، يمثل القطاع الخاص — بمنشآته الكبيرة وشبكته التجارية الواسعة وقاعدته من المنشآت الصغيرة والمتوسطة — العمود الفقري للنشاط الاقتصادي وللأمن السلعي على حد سواء، ولا يمكن لأي سياسة إحلال واردات أو ضبط أسواق أن تنجح دونه أو ضده. ومن جهة أخرى، ورث الطرفان عقوداً من انعدام الثقة المتبادل: قطاع خاص يشكو من تعدد الجبايات وتقلب القرارات وضبابية الأفق التنظيمي، وجهات رسمية ترى في بعض الممارسات التجارية — من الاحتكار إلى المغالاة السعرية — تهديداً مباشراً للاستقرار المعيشي يستوجب التدخل الحازم.
الحزمة الجديدة، في جوهرها، محاولة لإعادة ضبط هذه المعادلة على أساس الشراكة بين القطاعين العام والخاص بوصفها إطاراً مؤسسياً لا مجاملة خطابية. ويمر ذلك عملياً عبر ثلاث قنوات: الحوار المنظم مع الغرف التجارية والصناعية بوصفها ممثلاً مؤسسياً للقطاع الخاص لا مجرد طرف يُستدعى عند الأزمات؛ والتمييز الوظيفي بين التاجر الملتزم الذي يستحق التسهيل والحماية، والممارسات المخلة التي تستوجب الضبط — بحيث لا تُعامَل السوق كتلة واحدة بمنطق العقوبة الجماعية؛ واستقرار القواعد التنظيمية الذي يمنح المستثمر القدرة على حساب المخاطر، إذ إن أخطر ما يواجه الثقة الاستثمارية ليس صرامة القاعدة، بل تقلبها.
والتوازن المطلوب هنا دقيق: فإفراط في التنظيم يخنق المبادرة الخاصة ويدفع النشاط نحو القطاع غير الرسمي، وإفراط في حرية السوق — في اقتصاد تتركز فيه القوة السوقية بيد قلة — يعيد إنتاج التشوهات التي جاءت السياسات لمعالجتها. والاختبار الحقيقي للحزمة الجديدة هو قدرتها على المرور بين هذين المحذورين.
الأثر على بيئة الاستثمار وحماية المستهلك: وجهان لسياسة واحدة
كثيراً ما يُقدَّم تحسين بيئة الاستثمار وحماية المستهلك بوصفهما هدفين متعارضين، بينما تكشف القراءة التحليلية أنهما وجهان لعملة واحدة هي البيئة التنظيمية السليمة.
فعلى صعيد الأسواق، يُنتظر أن تسهم السياسات الجديدة في الحد من التشوهات السعرية عبر مسارين متكاملين: مسار رقابي يستهدف الممارسات الاحتكارية والمضاربية التي تفصل السعر عن كلفته الفعلية، ومسار هيكلي يعالج جذور التشوه ذاتها — من اختناقات الإمداد إلى تعدد حلقات الوساطة — بدلاً من الاكتفاء بمطاردة أعراضه. وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج المحلي وتنوعت مصادر العرض، تقلّص هامش المغالاة تلقائياً بفعل المنافسة، وهنا تلتقي سياسة حماية المستهلك بسياسة التوطين الصناعي في هدف واحد.
وعلى صعيد بيئة الأعمال، فإن كل خطوة نحو تبسيط الإجراءات وتوحيد المرجعيات وتقليص الكلفة غير الرسمية للنشاط الاقتصادي تمثل خفضاً مباشراً في منسوب مخاطر بيئة الأعمال، وترفع بالتالي العائد المعدل بالمخاطر للاستثمار المحلي. والأثر التراكمي لذلك يتجاوز المنشآت القائمة إلى معادلة أعمق: تحويل جزء من رأس المال الكامن — المكتنز في العقار والذهب والعملة — إلى استثمار منتج، وهو التحول الذي يشكل جوهر التكيف الاقتصادي الإيجابي في اقتصاد محاصر الموارد.
غير أن هذه الآثار تظل مشروطة بعامل حاسم: التطبيق المتسق. فالسوق لا تقرأ النصوص بل السلوك؛ وقرار تسهيل واحد يُنقض بممارسة ميدانية مخالفة كفيل بتبديد أثر عشرات التوصيات المكتوبة.
الرؤية المستقبلية: من ورقة التوصيات إلى بنية تنفيذ
يتوقف مصير الحزمة الجديدة على قدرتها على عبور المسافة الفاصلة بين ثلاث محطات: التوصية، فالإجراء، فالأثر القابل للقياس. وتشير التجارب المقارنة — والتجربة اليمنية ذاتها — إلى أن هذا العبور يتطلب خمسة اشتراطات:
أولها بنية تنفيذية واضحة تُسند فيها كل توصية إلى جهة مسؤولة بعينها ومهلة زمنية محددة ومؤشر إنجاز قابل للتحقق، بحيث تتحول الحزمة إلى مصفوفة متابعة حية لا وثيقة أرشيفية. وثانيها إطار مؤسسي دائم للحوار مع القطاع الخاص، يجتمع بانتظام لا استجابةً للأزمات، وتُعرض فيه مسودات القرارات ذات الأثر الاقتصادي قبل إصدارها لا بعده. وثالثها منظومة بيانات اقتصادية موثوقة — للأسعار والإنتاج والاستثمار — تسمح بتقييم أثر السياسات بالأرقام، وهو ما يجعل مشروع بناء نظام وطني لإدارة وتحليل البيانات الاقتصادية رافعة مباشرة لنجاح الحزمة ذاتها. ورابعها التدرج الواقعي في التنفيذ: البدء بالإصلاحات ذات الأثر السريع والكلفة السياسية المنخفضة لبناء رصيد ثقة، ثم الانتقال إلى الملفات الأعقد. وخامسها حماية الاتساق بين الجهات؛ فالسياسة الاقتصادية الناجحة ليست مجموع قرارات جهات متعددة، بل ناتج تنسيقها.
خلاصة
تمثل حزمة التوصيات الجديدة في صنعاء لحظة اختبار مزدوجة: اختباراً لقدرة الجهاز الحكومي على التحول من إدارة الأزمة إلى هندسة السياسات، واختباراً لاستعداد القطاع الخاص للانتقال من موقع المتوجس إلى موقع الشريك. والمعادلة التي ستحسم النتيجة بسيطة في صياغتها، عسيرة في تنفيذها: قواعد مستقرة مقابل التزام منضبط، وتسهيل حقيقي مقابل استثمار حقيقي، وشفافية في القرار مقابل ثقة في السوق. فإن تحققت هذه المعادلة، تحولت التوصيات من نصوص إلى عقد ثقة اقتصادي طال انتظاره؛ وإن تعثرت، أُضيفت الحزمة إلى أرشيف المبادرات التي عرفت التشخيص وأخطأت العلاج التنفيذي. والفارق بين المصيرين لا تصنعه النصوص، بل الإرادة المؤسسية التي تحرسها حتى آخر إجراء.
المؤشر الاقتصادي اليمني — وحدة التحليلات
